يوسف المرعشلي

193

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

وقلت : أريد أن أرى شيخك هذا ذا الكرامات والعلوم . وقلت في نفسي : سأحضّر له سؤالا لا يعرف كيف يجيب عنه ، فلما ذهبنا ، وكنا ببابه نقرعه إذ أطلت الخادم ، فاعتذرت بأن الشيخ نائم ، ولكن صوت الشيخ صاح من الداخل : أدخليهم ، ضيوفنا من حلب أنا أنتظرهم منذ ثلاثة أيام . فالتفت إليّ صديقي وقال : أرأيت ؟ قلت : ليس هذا عجيبا . ثم دخلنا ؛ فرأيناه في سريره ، ورحّب بنا ، وكان يوجّه الكلام إليّ خاصة بشيء من دعابة قاسية ويستهزئ من الجامعة التي خرّجتني ، وأنا وقتئذ قد تخرّجت متفوقا على زملائي . قبل أن أطرح عليه سؤالي الذي نويت وهو أن أسأله عن الروح وشأنها قال لي : قم فهات ذلك الكتاب من هناك . وأشار إلى مجموعة من مجلدات أمسكت ببعضها لأناوله فصاح بي : كلا . . . ليس هذا ، وإنما الذي يليه ، فجئت به إليه فقال : افتح ، ففتحت فصاح : أهكذا يفتح الكتاب ؟ ! هات . فأخذه وفتحه فتحة سريعة في منتصفه ، ودفعه إليّ بقسوة وقال : اقرأ . . . فبهتّ ، واقشعر جلدي إذ وجدت مكتوبا في رأس الصفحة وبالخط الأحمر : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا « 1 » ، وسكتّ فقال : أفهمت ؟ » . وكان أكبر كرامات الشيخ أحمد التي اشتهر بها بين الناس إبراء المرضى بإذن اللّه ؛ فهو من هذا الباب عيسوي المقام ، وكان بيته مقصودا منذ الفجر وحتى الليل لا يكاد يخلو من قاصدين يلتمسون علاجا ودعاء ، فيكتب لهم التمائم ويدعو ويعالج . حكى تلميذه الأستاذ محمود غراب يقول : « رجعت مرة إلى البيت فوجدت أهلي في غم واضطراب لأن ولدي عبد اللّه يشكو من عينه على أثر ضربة أصابته أفقدته الرؤية . فحملته مسرعا إلى بيت الشيخ القريب مني أستشيره ما أصنع ، وكان الوقت ليلا ، فاستدعى على الفور جاره الدكتور خالد الطباع وقال : انظر الولد ما لعينه ؟ ففحص الطبيب الولد وقرر أنه يعاني نزيفا في الشبكية يستدعي نقله عاجلا إلى المستشفى ، فصاح الشيخ ينادي ابنته وطلب منها زبدية وبيضة ثم أسال بياض البيضة في الزبدية ، ومد يده على سرواله ، فأخرج قطعة من ( سكر النبات ) نفخها بفمه ، ثم حرك بها بياض البيضة ، ثم طلب من ابنته قطّارة ، فقطر بعيني الولد نقطتين ، كل ذلك والطبيب مندهش يعترض والشيخ لا يأبه له . ثم قال لي : اذهب بولدك وغدا سيرى » . قال الراوي : « وحملت الولد إلى البيت وأضجعته في سريره فنام ، وأنزل اللّه عليّ سكينة فنمت أنا أيضا ، ولم أصح حتى الصبح على أصوات فرح من أم الولد وجدته فعلمت أن الولد معافى سليم ، فحملته ثانية ، وركضت إلى دار الشيخ مبتهجا ، فاستدعى الطبيب نفسه وقال له : انظر عين الولد ، وقرر الطبيب بعد الفحص أن العين سليمة لا شيء فيها » . ومن عجيب قصصه ما حدّث به الشيخ عبد الرحمن الخاني وما ملخصه أنّ له عما يدعى الشيخ عبد القادر الخاني ، كان صاحب جذب وحال ، فتوفي فسجّوه في إحدى غرف الدار ، وعصبوا عينيه انتظارا لمراسم الدفن ، وفي هذه الأثناء طرق طارق الباب ، وكان ملثما بكوفية وطلب رؤية الشيخ عبد القادر ، وأصرّ على الدخول عليه لما قيل له إنّه توفي ، وعندما صار قبالة الميت أكبّ على أذنه ، فأسرّ بها كلمات ، فما كان من الميت إلّا أن مدّ يديه على عصابة عينيه فرفعها ، وجلس ، وجعل يتحدث مع الشيخ الملثّم ، ثم أعاد العصابة مكانها وعاد ميتا كما كان . قال راوي القصة : « فلما رأيت هذا خذلتني ساقاي ، فسقطت على الأرض ، وما استطعت من قيام ، ثم قام الشيخ الملثّم فمر بي ، وخرج من الدار ، وعندئذ أدركني النشاط فهرولت أعدو إثره حتى لحقت به ، وأقسمت عليه أن يميط اللثام فإذا به الشيخ أحمد الحارون » . واتفق يوما أن كان الشيخ أحمد عند صديقه في الصالحية ؛ الشيخ أمين التكريتي ، وكان في البيت عند النساء ضيفة من الأكراد ، فاجأها الموت ، وكانت الضيفة مزينة بأساور من ذهب وحلي ، فخشي الشيخ أمين وأهل بيته من اتهام قوم الضيفة لهم بسرقتها أو بالتسبّب بوفاتها ، وطلب من الشيخ أحمد التصرف ، فقام وقرأ فأحياها اللّه فأمرها أن تلبس ثياب الخروج ،

--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 85 .